حسن حنفي

113

من العقيدة إلى الثورة

ليست الإرادة الشاملة صفة لذات مشخص بل هي إرادة انسانية تبغى أوسع نطاق لها وأكبر تأثير . ليس العلم أيضا صفة مطلقة لذات مشخص بل هو دافع انساني نحو العلم يعطى الأساس النظري للفعل . ويكون السؤال : لمصلحة من تصور هذه العلاقة العكسية بين الانسان وقيمة ؟ وكيف تثبت القيمة بذاتها إذا سلبت إرادة الانسان ؟ وفي أية قيمة تعمل إرادة الانسان لو أصبحت القيمة خاوية غير قابلة للتحقيق ؟ ولما ذا لا تكون العلاقة طردية ، بقدر اثبات حرية الانسان تثبت فاعلية القيمة وبقدر ما تضمحل فاعلية القيمة تضمر حرية الانسان ؟ في الجبر الذاتي وحده تكون العلاقة طردية . كلما أحس الانسان بدعوته ، وهي القيمة ، ازدادت حريته وكلما ضعف احساس الانسان بدعوته قلت حريته وطواه الجبر . 3 - وكما يتم تدمير فعل الانسان وارادته المستقلة كذلك يتم تدمير قوانين الطبيعة الثابتة خاصة ابتداء من القرن السادس بعد ظهور الفلسفة وكأنها الخطر الداخلي بعد دروء الاخطار الخارجية من التأليه والتجسيم والتشبيه . والحقيقة أن الحوادث الخارقة للطبيعة التي يظن على أنها دليل على وجود إرادة خارجية هي إرادة الذات المشخص المؤله التي تتدخل في الطبيعة هي في الحقيقة حوادث طبيعية نجهل عللها « 185 » . فكل ما يظن أنه يحدث من خارج الطبيعة هو في الحقيقة يحدث من داخل الطبيعة ، ويتقدم العلم يمكن معرفة القانون الّذي تجرى طبقا له هذه الحوادث . وان تقدم العلم مشروط بنقل النظرة العلمية من التفسير الخارجي إلى التفسير الداخلي ، ومن الفهم بالقوى الخارجية إلى الفهم بالقانون الداخلي . وقد تكون الحادثة الخارقة للطبيعة ادراكا خاطئا سببه مؤثر انفعالى حاد . فالادراك الحسن مرتبط بدرجة الشعور الانفعالي كما يرى العطشان الماء سرابا ، والجوعان الحذاء دجاجة ، وكما يشعر المصاب بزلزال في الأرض وبانفتاح القبور وبدك الجبال كما هو معروف في مشاهد الصلب في الأناجيل

--> ( 185 ) أنظر مقدمتنا لإسبينوزا « رسالة في اللاهوت والسياسة » ، ص 65 - 69 - ، أنظر أيضا الفصل التاسع من هذا المصنف عن النبوة . م 8 - الانسان المتعين